الفتاوى الكبرى/كتاب في الرد على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة والرافضة/2

فصل

وأما قولهم: الذي نطلب منه أن يعتقده أن ينفي الجهة عن الله والتحيز

فالجواب من وجوه:

أحدهما: إن هذا اللفظ ومعناه الذي أرادوه ليس هو في شيء من كتب الله المنزلة من عنده ولا هو مأثورا عن أحد من أنبياء الله ورسله لا خاتم المرسلين ولا غيره ولا هو أيضا محفوظا عن أحد من سلف الأمة وأئمتها أصلا وإذا كان بهذه المثابة وقد علم أن الله أكمل لهذه الأمة دينها وأن الله بين لهذه ما تتقيه كما قال: { اليوم أكملت لكم دينكم } وقال: { وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون } وأن النبي بين لأمته بين للأمة الإيمان الذي أمرهم الله به وكذلك سلف الأمة وأئمتها علم بمجموع هذين الأمرين أن هذا الكلام ليس من دين الله ولا من الإيمان ولا من سبيل المؤمنين ولا من طاعة الله ورسوله وإذا كان كذلك فمن التزم اعتقاده فقد جعله من الإيمان والدين وذلك تبديل للدين كما بدل من بدل من مبتدعة اليهود والنصارى ومبتدعة هذه الأمة دين المرسلين يوضح ذلك

الوجه الثاني: وهو أن الله نزه نفسه في كتابه عن النقائص تارة بنفيها وتارة بإثبات أضدادها كقوله تعالى: { لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد } وقوله تعالى: { وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل } وقوله تعالى: { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا } الآية وقوله: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم } وقوله: { وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم } إلى قوله: { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير } وقوله: { ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله } إلى قوله: { فتعالى عما يشركون } وقوله: { حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون } إلى قوله: { وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين } وقوله: { وقالت اليهود يد الله مغلولة } الآية وقوله: { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء } الآية وما في القرآن من خبره عن نفسه أنه بكل شيء عليم وأنه لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء إنه على كل شيء قدير وأنه ما شاء الله كان لا قوة إلا بالله وأن رحمته وسعت كل شيء وأنه العلي العظيم الأعلى المتعالي العظيم الكبير وكذلك الأحاديث عن النبي موافقة لكتاب الله كقوله في الحديث الصحيح: [ إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل الليل حجابه النور أوالنار ولو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ]

وقوله أيضا فيما يروي عن ربه: [ شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك فأما شتمه إياي فقوله: إني اتخذت ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد وأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته ]

وقوله في حديث السنن للأعرابي: [ ويحك إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك إن عرشه على سمواته أو قال بيده مثل القبة وأنه ليئط به أطيط الرحل الجديد براكبه ] وقوله في الحديث الصحيح: [ أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء ] إلى أمثال ذلك وليس في شيء من ذلك نفي الجهة والتحيز عن الله ولا وصفه بما يستلزم لزوما بينا نفي ذلك فكيف يصح مع كمال الدين وتمامه ومع كون الرسول قد بلغ البلاغ المبين أن يكون هذا من الدين والإيمان ثم لا يذكره الله ولا رسوله قط وكيف يجوز أن يدعى الناس ويؤمرون باعتقاد في أصول الدين ليس له أصل عمن جاء بالدين هل هذا إلا صريح تبديل الدين؟

الوجه الثالث: قد قلت لهم: قائل هذا القول إن أراد به أن ليس في السموات رب ولا فوق العرش إله وأن محمدا لم يعرج به إلى ربه وما فوق العالم إلا العدم المحض

فهذا باطل مخالف لإجماع سلف الأمة وأئمتها وهذا المعنى هو الذي يعنيه جمهور الجهمية من مشايخ الممتحنين ونحوهم يصرحون به في كلامهم وكتابهم وإن أراد به أن الله لا يحيط به مخلوقاته ولا يكون في جوف الموجودات فهذا مذكور مصرح به في كلامي

وإثبات هذا المعنى وهو أنه بذاته في الموجودات ليس خارجا عنها هو قول كثير من الجهمية أيضا الذين ينفون أنه على العرش أيضا سواء قالوا إنه بذاته في كل مكان أو قالوا إنه هو الموجودات كما يقوله الاتحادية منهم وذلك أن الجهمية الذين ينفون أن يكون الله فوق عرشه بائنا من خلقه منهم من يقول إنه لا داخل العالم ولاخارجه ومنهم من يقول إنه داخل العالم ومنهم من يقول أنه داخله وخارجه متناهيا أوغير متناه جسما أو غير جسم كما بينا مقالاتهم في غير هذا الموضع فصارت الجهمية الذين ينفون عن الله الجهة والحيز مقصودهم أنه ليس فوق العرش رب ولافوق السموات إله

والجهمية الذين يقولون إنه في الموجودات يثبتون له الجهة والحيز فبينت في الجواب بطلان قول فريقي الجهمية النفاة والمثبتة فإن نفاة الجهمية لا يعبدون شيئا ومثبتتهم يعبدون كل شيء وذكرت هذين القسمين لأنها هي التي جرت عادة المتكلمين بنفي الجهة والحيز عن الله أنهم يعنونها فإن كانوا عنوا معنى آخر كان عليهم بيانه إذ اللفظ لا يدل عليه وليس لأحد أن يمتحن الناس بلفظ مجمل ابتدعه هومن غير بيان لمعناه

الوجه الرابع: إنهم طلبوا اعتقاد نفي الجهة والحيز عن الله ومعلوم أن الأمر بالاعتقاد لقول من الأقوال إما أن يكون تقليدا للآمر أو لأجل الحجة والدليل فإن كانوا أمروا بأن يعتقد هذا تقليدا لهم ولمن قال ذلك فهذا باطل بإجماع المسلمين منهم ومن غيرهم وهم يسلمون أنه لا يجب التقليد في مثل ذلك لغير الرسول لا سيما وعندهم هذا القول لم يعلم بأدلة الكتاب والسنة والإجماع وإنما علم بالأدلة العقلية والعقليات لايجب التقليد فيها بالإجماع وإن كان الأمر بهذا الاعتقاد لقيام الحجة عليه فهم لم يذكروا حجة لا مجملة ولا مفصلة ولا أحالوا عليها بل هم يفرون من المناظرة والمحاجة بخطاب أو كتاب فقد ثبت أن أمرهم لهذا الاعتقاد حرام باطل على التقديرين بإجماع المسلمين وأن فعل ذلك من أفعال الأئمة المضلين وأنه أمر للناس أن يقولوا على الله ما لا يعلمون

الوجه الخامس: إن الناس تنازعوا في جواز التقليد في مسائل أصوك الدين لمن يجوز تقليده في الدين من أئمة المسلمين المتبعين فيما يقولونه لما ثبت عن المرسلين كما يقلد مثل هؤلاء في فروع الدين فأما التقليد في الأمور التي يقولون أنها عقليات وأنها معلومة بالعقل يحتاج فيها إلى تأويل السمع وأنها من أصول الدين فما نعلم أحدا جوز التقليد في مثل ذلك بل الناس فيها قسمان منهم من ينكرها على أصحابها ويبين أنها جهليات لا عقليات ومنهم من يقول بل من نظر في أدلتها العقلية علم صحتها

فأما أن يقول قائل: إن هذه الأمور التي تنازعت فيها الأمة وادعى كل فريق أن الحق معهم إني أقلد من يدعي أن قوله معلوم بالعقل قبل أن أعلم صحة ما يقوله بالعقل فهذا لا يقوله عاقل فإن العقل لا يرجح في موارد النزاع قولا على قول وقائلا على قائل إلا بموجب

أما مجرد التقليد لأحد القائلين بغير حجة فلا يسوغ في عقل ولا دين وإذا كان كذلك لم يكن لهم أن يسوغوا لأحد أن يقول هذا القول حتى يعلمه بأدلته العقلية فكيف وقد أوجبوا اعتقاده إيجابا مجردا لم يذكروا عليه دليلا أصلا وهل هذا إلا في غاية المناقضة والتبديل للعقل والدين؟ فإن من أباح المحرمات من الأفعال كان خارجا عن الشريعة فكيف بمن أوجبها وعاقب عليها؟ فكيف إذا كان ذلك في الاعتقادات التي هي أعظم من الأفعال؟

الوجه السادس: إنه لو فرض جواز التقليد أو وجوبه في مثل هذا لكان لمن يسوغ تقليده في الدين كالأئمة المشهورين الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم وهذا القول لم يقله أحد ممن يسوغ للمسلمين تقليده في فروع دينهم فكيف يقلدونه أصول دينهم التي هي أعظم من فروع الدين فإن هذا القول وإن قاله طائفة من المنتسبين إلى مذاهب الأئمة الأربعة فليس في قائليه من هو من أئمة ذلك المذهب الذين لهم قول متبوع بين أئمة ذلك المذهب فإن أصحاب الوجوه من أصحاب الشافعي كأبي العباس بن سريج وأبي علي بن أبي هريرة وأبي سعيدالأصطخري وأبي علي بن خيران والشيخ أبي حامد الأسفرايني ونحو هؤلاء ليس فيهم من يقول هذا القول بل المحفوظ عمن حفظ عنه كلام في هذا ضد هذا القول وغايته أن يحكي عن مثل أبي المعالي الجويني وهو أجل من يحكي عنه ذلك من المتأخرين وأبو المعالي ليس له وجه في المذهب ولا يجوز تقليده في شيء من فروع الدين عند أصحاب الشافعي فكيف يجوز أو يجب تقليده في أصول الدين هذا وهو الذكي اللوذعي وكتابه في المذهب هو الذي رفع قدره وفخم أمره فإذا لم يجز تقليده فيما ارتفع به قدره وعظم به أمره عند الاصحاب فكيف يقلد في الأمرالذي كثر فيه الاضطراب وأقر عند موته بالرجوع عنه وتاب وهجره على بعض مسائله مثل أبي القاسم القشيري وغيره من الأصحاب

وإذا كان هذا حال من يقلد إمام الحرمين الاستاذ المطاع فكيف بمن يقلد من هو دونه بلا نزاع وذلك لأن التقليد في الفروع دون الأصول إنما يكون لمن كان عالما بمدارك الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع وأبو المعالي لم يكن من هذا الصنف فإنه كان قليل المعرفة بالكتاب والسنة وعامة ما يعتمد عليه في الشريعة الإجماع في المسائل القطعية والقياس أو التقليد في المسائل الظنية وكذلك هو في مسائل أصول الدين غالب أمره الدوران بين الإجماع السمعي القطعي والقياس العقلي الذي يعتمد أنه قطعي مذهب الشافعي وبالخلاف المنصوب مع أبي حنيفة وأما بالأصول فبالدلائل والمسائل المذكورة في كتب المعتزلة والأشعرية هذا وهو أجل من يقرن به من المناظرين وعمدة من يسلك سبيله من المتأخرين فكيف بمن لم يبلغ شأوه في العلم والذكاء ومقاومة الخصوم الفضلاء

وأما من تكلم في ذلك من فقهاء المالكية المتأخرين كالباجي وأبي بكر ابن العربي ونحوهما فإنهم في ذلك يقلدون لمن أخذوا ذلك عنه من أهل المشرق المتكلمين ومعترفون بأنهم لهم من التلامذة المتبعين ليس في كلام أحد من هؤلاء استيفاء الحجة في هذا الباب من الطرفين ولا النهوض بأعباء هذا الحمل الذي يحتاج إلى فصل الخطاب في القولين المتعارضين وأما أئمة المالكية الذين إليهم المرجع في الدين كابن القاسم وابن وهب وأشهب وسحنون وابنه وعبد الملك بن حبيب وابن وضاح وغيرهم فهم برآء من هذا النفي والتكذيب ولهم في الإثبات من الأقوال ما يعرفها العالم اللبيب

الوجه السابع: إن هذا القول لو فرض أنه حق معلوم بالعقل لم يجب اعتقاده بمجرد ذلك إذ وجوب اعتقاد شيء معين لا يثبت إلا بالشرع بلا نزاع

أما المنازعون فهم يسلمون أن الوجوب كله لا يثبت إلا بالشرع وأن العقل لا يوجب شيئا وإن عرفه

وأما من يقول إن الوجوب قد يعلم بالعقل فهو يقول ذلك فيما يعلم وجوبه بضرورة العقل أو نظره واعتقاد كلام معين من تفاصيل مسائل الصفات لا يعلم وجوبه بضرورة العقل ولا بنظره ولهذا اتفق عامة أئمة الإسلام على أن من مات مؤمنا بما جاء به الرسول لم يخطر بقلبه هذا النفي المعين لم يكن مستحقا للعذاب ولوكان واجبا لكان تركه سببا لاستحقاق العذاب

وإن فرض أن بعض غالية الجهمية من المعتزلة ونحوهم يزعم أن معرفة هذا النفي من الواجبات أو من أجلها وأن من لم يعتقده من الخاصة والعامة كان مستحقا للعذاب أو فرض أن بعض الناس يقول أن هذا الاعتقاد يجب على الخاصة دون العامة

فنحن نعلم بالاضطرار من دين الإسلام فساد القول بإيجاب هذا لأنا نعلم بالاضطرار أن النبي والصحابة والتابعين وسائر أئمة المسلمين لم يوجبوا اعتقاد هذا النفي لا على الخاصة ولا على العامة وليس وجوب هذا من الحوادث التي تجددت فإن وجوب هذا الاعتقاد على الأولين والآخرين سواء لوجوب اعتقاد أنه لاإله إلا الله وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور

وإذا كان معلوما بالاضطرار عدم إيجاب الشارع لهذا الاعتقاد كان دعوى وجوبه بالعقل مردودا فإن الشارع أقر الواجبات العقلية وأوجبها كما أوجب الصدق والعدل وحرم الكذب والظلم

وإذا كان وجوب هذا القول منتفيا لم يكن لأحد أن يوجبه على الناس فضلا عن أن يعاقب تاركه ويجعله محنة من وافقه عليه والاه ومن خالفه فيه عاداه

وهذا المسلك هوأحد ما سلكه العلماء في الرد على الجهمية الممتحنين للناس كابن أبي دؤاد وأمثاله لما ناظرهم من ناظرهم قدام الخلفاء كالمعتصم والواثق فإنهم بينوا لهم أن القول الذي أوجبوه على الناس وعاقبوا تاركه وهوالقول بخلق القرآن لم يقله النبي ولا أحد من خلفائه ولا أصحابه ولا أئمة المسلمين وعامتهم ولا أمروا به ولا عاقبوا عليه ولو كان من الدين الذي يجب دعاء الخلق إليه وعقوبة تاركيه لم يجز إهمالهم لذلك وإن القائل لهذا القول لو فرض أنه مصيب لم يكن له أن يوجب على الناس ويعاقبهم على ترك كل قول يعتقد أنه صواب وهذا مما اتفق عليه المسلمون وذلك يتضح بالوجه الثامن

الوجه الثامن: وهو أن الاعتقاد الذي يجب على المؤمنين خاصتهم وعامتهم ويعاقب تاركوه هو ما بينه النبي فأخبره به وأمر بالإيمان به إذ أصول الإيمان التي يجب اعتقادها على المكلفين وتكون فارقة بين أهل الجنة والنار والسعداء والأشقياء هي من أعظم ما يجب على الرسول بيانه وتبليغه ليس حكم هذه كحكم آحاد الحوادث التي لم تحدث في زمانه حتى شاع الكلام فيها باجتهاد الرأي إذ الاعتقاد في أصول الدين للأمور الخبرية الثابتة التي لا تتجدد أحكامها مثل أسماء الله وصفاته نفيا وإثباتا ليست مما يحدث سبب العلم به أو سبب وجوبه بل العلم بها ووجوب ذلك ما يشترك فيه الأولون والاخرون والأولون أحق بذلك من الآخرين لقربهم من ينبوع الهدى ومشكاة النور الإلهي فإن أحق الناس بالهدى هم الذين باشرهم الرسول بالخطاب من خواص أصحابه وعامتهم وهذه العقائد الأصولية من أعظم الهدى فهم بها أحق فإذا كان وجوب ذلك منتفيا فيما جاء به الرسول من الكتاب والسنة وفيما اتفق عليه سلف الأمة كان عدم وجوبه معلوم علما ويقينيا وكانت غايته أن يكون مما يقال باجتهاد الرأي

وحينئذ فنقول أن هذه الأقوال التي تسمى العقليات غايتها أن يجهد فيها أصحابها عقولهم وآرائهم والقول باجتهاد الرأي وإن اعتقد صاحبه أنه عقلي مقطوع به لا يحتمل النقيض فإنه قد يكون غيرمقطوع به وإن اعتقد هو أنه مقطوع به فإن هذا من أكثر ما يوجد بينهم من أقوال يقول أصحابها أنه مقطوع بها في العقل وتكون بخلاف ذلك حتى إن الواحد منهم هو الذي يقول في القول إنه مقطوع به ويقول فيه تارة أخرى إنه باطل

وإذا لم يكن مقطوعا به فقد يكون مظنونا غير معلوم الصحة والفساد وقد يكون خطأ معلوم الفساد أو مظنونه وقد يكون مشكوكا فيه فعامة هذه الأقوال المتنازع فيها التي يقول قائلها أنها مقطوع بها تعتورها هذه الإحتمالات وعدم القطع بها بل ظنها والشك فيها ونقيضها والقطع بنقيضها ثم غاية ما يقدر أن تكون صوابا معلوما أنها صواب عند صاحبها فليس كل ما كان كذلك يجب على جميع المؤمنين اعتقاده إذ طرق العلم بذلك قد تكون خفية مشتبهة فلا يجب التكليف بموجبها لجميع المؤمنين ولو كانت عقلية ظاهرة معلومة بأدنى نظر لم يجب في كل ما كان كذلك أن يكون اعتقاده واجبا على كل المؤمنين مثل كثير من مسائل الحساب والطب والهيئة وغير ذلك

فهذه ثلاث مقدمات عظيمة:

أحدها: إنه ليس ما اعتقد قائله أنه حق مقطوع به معلوم بالعقل أو بالشرع يكون كذلك

والثانية: إنه ليس ما علم الواحد أنه حق مقطوع به عنده يجب اعتقاده على جميع الناس

الثالث: إنه ليس ما كان معلوما مقطوعا به بأدنى نظر يجب اعتقاده وإذا كان كذلك فغاية ما يبين من يوجب هذه المقالات أنها حق مقطوع به عقلي معلوم بأدنى نظر وإذا كان مع هذا لا يجب اعتقاد ذلك على المكلفين حتى يعلم وجوب ذلك بالأدلة الشرعية التي يعلم بها الوجوب لم يكن له أن يوجب على الناس هذا الاعتقاد ويعاقب تاركيه حتى يبين أن الشارع أوجب ذلك على الناس على هذا الوجه وهذا مما لم يذكروه ولا سبيل إليه فكيف والأمر بالعكس عند من يبين أن ماقالوه خطأ مخالف للعقل الصريح وللنقل الصحيح معلوم الفساد بضررة العقل ونظره مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وإن الشارع أخبر بنقيضه وأوجب اعتقاد ضده

الوجه التاسع: إنه لا ريب أن من لقي الله بالإيمان بجميع ما جاء به الرسول مجملا مقرا بما بلغه من تفصيل الجملة غير جاحد لشيء من تفاصيلها أنه يكون بذلك من المؤمنين إذ الإيمان بكل فرد فرد من تفصيل ما أخبر به الرسول وأمر به غير مقدور للعباد إذ لا يوجد أحد إلا وقد خفي عليه بعض ما قاله الرسول

ولهذا يسع الإنسان في مقالات كثيرة لا يقر فيها بأحد النقيضين لا ينفيها ولا يثبتها إذا لم يبلغه أن الرسول نفاها أو أثبتها ويسع الإنسان السكوت عن النقيضين في أقوال كثيرة إذا لم يقم دليل شرعي بوجوب قول أحدهما

أما إذا كان أحد القولين هو الذي قاله الرسول دون الآخر فهنا يكون السكوت عن ذلك وكتمانه من باب كتمان ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بينه للناس في الكتاب ومن باب كتمان شهادة العبد من الله وفي كتمان العلم النبوي من الذم واللعنة لكاتمه ما يضيق عنه هذا الموضع

وكذلك إذا كان أحد القولين متضمنا لنقيض ما أخبر به الرسول والآخر لايتضمن مناقضة الرسول لم يجز السكوت عنهما جميعا بل يجب نفي القول المتضمن لمناقضة الرسول ولهذا أنكر الأئمة على الواقفة في مواضع كثيرة جدا تنازع الناس فقال قوم بموجب السنة وال قوم بخلاف السنة وتوقف قوم فأنكروا على الواقفة كالواقفة الذين قالوا لا نقول القرآن مخلوق ولا نقول إنه غير مخلوق هذا مع أن كثيرا من الواقفة يكون في الباطن مضمرا للقول المخالف للسنة ولكن يظهر الوقف نفاقا ومصانعة فمثل هذا موجود

وأما القول الذي لا يوجد في كلام الله ورسوله لا منصوصا ولا مستنبطا بل يوجد في الكتاب والسنة مما يناقضه مالا يحصيه إلا الله فكيف يجب على المؤمنين عامة أو خاصة اعتقاده ويجعل ذلك محنة لهم ومن المعلوم أنه ليس في الكتاب والسنة ولا في كلام أحد من سلف الأمة ما يدل نصا ولا استنباطا على أن الله ليس فوق العرش وأنه ليس فوق المخلوقات وأنه ما فوق العالم رب يعبد ولاعلى العرش إله يدعى ويقصد وما هناك إلا العدم المحض وسواء سمي ثبوت هذا المعنى قولا بالجهة والتحيز أو لم يسم فتنوع العبارات لا يضر إذا عرف المعنى المقصود

وإذا كان هذا المعنى ليس مما جاء به الرسول كان الإعراض عنه ولو كان حقا جائزا بحيث لو لم يعتقد الرجل فيه نفيا ولا إثباتا لم يؤمر بأحدهما

وقد بسطنا الكلام فيما يذكر لهذا القول من الدلائل السمعية والعقلية في مواضع منها الكلام على ما ذكره أبو عبد الله الرازي في كتابه الذي سماه تأسيس التقديس وكتابه نهاية العقول في دراية الأصول وغير ذلك إذا كان قد جمع في ذلك غاية ما يقوله الأولون والاخرون من حجج الثقاة الذين يقولون أن الله ليس في جهة ولا حيز فليس هذا على العرش ولا فوق العالم

الوجه العاشر: إن قولهم: الذي نطلب منه أن يعتقده أن ينفي الجهة عن الله والتحيز لا يخلو إما أن يتضمن هذا نفي كون الله على العرش وكونه فوق العالم بحيث يقال إنه ما فوق العالم رب ولا إله أوما هناك شيء موجود وما هناك إلا العدم الذي ليس بشيء أو لا يتضمن هذا الكلام نفي ذلك فإن كان هذا الكلام لم يتضمن نفي ذلك كان النزاع لفظيا وأنا ليس في شيء من كلامي قط إثبات الجهة والتحيز لله مطلقا حتى يقال نطلب منه نفي ما قاله أوأطلقه من اللفظ بل كلامي ألفاظ القرآن والحديث وألفاظ سلف الأمة ومن نقل مذاهبهم أو التعبير عن ذلك تارة بالمعنى المطابق الذي يعلم المستمع أنه موافق لمعناهم وما يذكر من الألفاظ المجملة فإني أبينه أفصله لأن أهل الأهواء كما قال الإمام أحمد فيما خرجه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولت غير تأويله قال: الحمدلله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى فكم من قتيل لابليس قد أحيوه وكم من ضال تائه قد هدوه فماأحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثرالناس عليهم ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة فهم مخالفون للكتاب مختلفون في الكتاب مجتمعون على مفارقة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم وذلك مثل قولهم ليس بمتحيز ولا في جهة ولا كذا ولا كذا فان هذه ألفاظ مجملة متشابهة يمكن تفسيرها بوجه حق ويمكن تفسيرها بوجه باطل فالمطلقون لها يوهمون عامة المسلمين أن مقصودهم تنزيه الله عن أن يكون محصورا في بعض المخلوقات ويفترون الكذب على أهل الاثبات أنهم يقولون ذلك كقول بعض قضاتهم لبعض الأمراء أنهم يقولون إن الله في هذه الزاوية وقول آخر من طواغيتهم أنهم يقولون إن الله في حشوالسموات ولهذا سموا حشوية الى أمثال هذه الأكاذيب التي يفترونها على أهل الاثبات ثم يأتون بلفظ مجمل متشابه يصلح لنفي هذا المعنى الباطل ولنفي ما هو حق فيطلقونه فيخدعون بذلك جهال الناس فإذا وقع الاستفصال والاستفسار انكشفت الأسرار وتبين الليل من النهار وتميز أهل الايمان واليقين من أهل النفاق المدلسين الذين لبسوا الحق بالباطل وكتموا الحق وهم يعلمون

فالمقصود أن قائل هذا القول إن لم يرد به نفي علو الله على عرشه وأنه فوق خلقه لم ينازع في المعنى الذي أراده لكن لفظه ليس بدال على ذلك بل هو مفهم أو موهم لنفي ذلك فعليه أن يقول: لست أقصد بنفي الجهة والتحيز نفي أن يكون الله فوق عرشه وفوق خلقه وحينئذ يوافقه أهل الاثبات على نفي الجهة والتحيز بهذا التفسير بعد استفصاله وتقييد كلامه بما يزيل الالتباس وأما إن تضمن هذا الكلام أن الله ليس على العرش ولا فوق العالم فليصرح بذلك تصريحا بينا حتى يفهم المؤمنون قوله وكلامه ويعلموا مقصوده ومرامه فإذا كشف للمسلمين حقيقة هذا القول وأن مضمونه أنه ليس فوق السموات رب ولا على العرش إله وأن الملائكة لاتعرج إلى الله ولا تصعد إليه ولا تنزل من عنده وأن عيسى لم يرفع إليه ومحمد لم يعرج به إليه وأن العباد لا يتوجهون بقلوبهم إلى إله هناك يدعونه ويقصدونه ولا يرفعون أيديهم في دعائهم إليه فحينئذ ينكشف للناس حقيقة هذا الكلام ويظهرالضوء من الظلام

ومن المعلوم أن قائل ذلك لا يجترىء أن يقوله في ملأ من المؤمنين وإنما يقوله بين إخوانه من المنافقين الذين إذا اجتمعوا يتناجون وإذا افترقوا يتهاجون وهم وإن زعموا أنهم أهل المعرفة المحققين فتد شابهوا من سبق إخوانهم المنافقين

قال الله تعالى: { وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون * وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم } إلى قوله: { ويمدهم في طغيانهم يعمهون } وقال تعالى: { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا } إلى قوله: { يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا } ولا ريب أن كثيرا من هؤلاء قد لا يعلم أنه منافق بل يكون معه أصل الإيمان لكن يلتبس عليه أمر المنافقين حتى يصير لهم من السماعين قال تعالى: { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم } ومن المعلوم أن كلام أهل الإفك في عائشة كان مبدأه من المنافقين وتلطخ به طائفة من المؤمنين وهكذا كثير من البدع كالرفض والتجهم مبدؤها من المنافقين وتلوث ببعضها كثير من المؤمنين لكن كان فيهم من نقض الإيمان بقدر ما شاركوا فيه أهل النفاق والبهتان

الوجه الحادي عشر: إنهم إذا بينوا مقصودهم كما يصرح به أئمتهم وطواغيتهم من أنه ليس فوق العرش رب ولا فوق العالم موجود فضلا عن أن يكون فوقه واجب الوجود فيقال لهم: هذا معلوم الفساد بالضرورة الفطرة العقلية وبالأدلة النظرية العقلية وبالضرورة الإيمانية السمعية الشرعية وبالنقول المتواترة المعنوية عن خير البرية وبدلالة القرآن على ذلك في آيات تبلغ مئين وبالأحاديث المتلقات بالقبول من علماء الأمة في جميع القرون وبما اتفق عليه سلف الأمة وأهل الهدى من أئمتها وبما اتفق عليه الأمم بجبلتها وفطرتها وما يذكر في خلاف ذلك من الشبهة التي يقال إنها براهين عقلية أودلائل سمعية فقد تكلمنا عليها الاستقصاء حتى تبين أنها من القول الهراء فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ولولا أن المقصود هنا التنبيه على مجامع الضلال فيما أوجبوا اعتقاده لبسطنا القول هنا وبينا سداده لكن قد أحلنا على ما هو موجود مكتوب أيضا فاكتسبناه في هذا الزمان والحمد لله ولي الاحسان

الوجه الثاني عشر: إن لفظ الجهة عند من قاله إما أن يكون معناه وجوديا أوعدميا فإن كان معناه وجوديا فنفي الجهة عن الله نفي عن أن يكون الله في شيء موجود وليس شيء موجود سوى الله إلا العالم فهذا أحد القسمين الذين ذكرناهما في جوابهم وهو أن يراد أنه ليس محصورا في المخلوقات داخلا في المصنوعات هذا أحد أقوال الجهمية الذين يقولون: إنه ليس على العرش ونفيه مصرح به في كلامنا وإن كان معناه عدميا كان المعنى أن الله لا يكون حيث لا موجود غيره وهو مافوق العالم فإن كون الموجود في العدم ليس معناه أن العدم يحويه أو يحيط به إذ العدم ليس بشيء أصلا حتى يوصف بأنه يحيط أو يحاط به بل المعنى بذلك أن يكون الموجود بحيث لا موجود غيره وأن يكون القائم بنفسه بحيث لا قائم بنفسه غيره فإن الموجود نوعان قائم بنفسه وقائم بغيره فالقائم بغيره من الصفات والأعراض يكون بحيث يكون غيره فإن الصفات والأعراض تقوم بالمحل الواحد

وأما القائم بنفسه فلا يكون حيث يكون آخر قائم بنفسه بل يجب أن يكون مباينا لغيره فيكون حيث لا موجود غيره أو حيث لا قائم بنفسه غيره وهو المعنى بكون الله على العرش فوق العالم وإذا كان هذا المعقول من الجهة العدمية فأكثر عقلاء بني آدم من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والصابئين على أن نفي هذا عن الموجود واجبه وممكنه معلوم الفساد بالضرورة العقلية وهو أنه يعلم بالضرورة العقلية أنه يمتنع وجود موجود قائم بنفسه حيث يكون موجودا آخر قائما بنفسه أو أن يكون إلا حيث لايكون موجود آخر قائما بنفسه وأن كل موجود فإما أن يكون مباينا لغيره منفصلا عنه فيكون في الجهة العدمية وإما أن يكون محايثا له داخلا فيه فيكون في الجهة الوجودية ووجود موجود لم لا في جهةوجودية ولاعدمية ممتنع في صريح العقل ثم إن قول هؤلاء موافق لما جاء به الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها

وبالجملة فالنزاع في ذلك ظاهر مشهور وإذا كان كذلك لم يكن نفي ذلك بالهين حتى يدعي دعوى مجردة بلا دليل سمعي ولا عقلي ثم يوجب اعتقاد ذلك ويعاقب تاركه ومن الناس من قد يعني بالجهة ما ليس مغايرا لذي الجهة فيكون كونه في جهة بحيث يتوجه إليه أو يشار إليه ولا يعني بالجهة موجودا منفصلا عنه ولا يعني عدميا وهؤلاء قد يقولون الجهة من الأمور الإضافية فكون الشيء في الجهة معناه أنه مباين لغيره وكل موجود قائم بنفسه فإنه مباين لغيره

وقد يقولون كونه في الجهة معناه أنه متميز بذاته محقق الوجود وإن لم يقدر موجود سواه وهؤلاء يقولون هو الجهة في قبل وجود العالم والأولون يقولون لا تعقل الجهة إلا بعد وجود العالم وأصل ذلك أن هؤلاء يقولون إن مسمى الجهة نوعان إضافي منتقل وثابت لازم

فأما الأول فهي الجهات الست للحيوان أمامه وهو ما يؤمه وخلفه وهو ما يخلفه ويمينه ويساره وفوقه وتحته وهو ما يحاذي ذلك هذه الجهات ليست جهات لمعنى يقوم بها ولا ذلك صفة لازمة لها بل تصير اليمين يسارا واليسار يمينا والعلو سفلا والسفل علوا يتحرك الحيوان من غير تغير في الجهات

وأما الثاني فهو جهتا العالم وهي العلو والسفل فليس للعالم إلا جهتان إحداهما العلو وهو جهة السموات وما فوقها وجهة السفل وهو جهة الأرض وما تحتها وفي جوفها وعلى هذا المعنى فكل ما كان خارج العالم مباينا للعالم فهو فوقه وهو في الجهة العليا فالباري تعالى إما أن يكون مباينا للعالم منفصلا عنه أو لا يكون مباينا له منفصلا عنه فإن كان الأول كان خارجا عنه عاليا عليه بالجهة العليا وإن كان الثاني كان حالا في العالم قائما به محمولا فيه قال هؤلاء: وهذا كله معلوم بالفطرة العقلية فالباري قبل أن يخلق العالم كان هو وحده سبحانه لاشريك له ولما خلق الخلق فإنه لم يخلقه في ذاته فيكون هو محلا للمخلوقات ولاجعل ذاته فيه فيكون مفتقرا محمولا قائما بالمصنوعات بل خلقه بائنا عنه فيكون فوقه وهو جهة العلو وقد بسطنا كلام هؤلاء وخصومهم في الحكومة العادلة فيما ذكره الرازي في تأسيسه من المجادلة

وإذا كان كذلك فالداعي للناس إلى اعتقاد نفي الجهة إما أن يدخل معهم في هذه الدقائق ويكشف هذه الدقائق وإما أن يعرض عن هذا ويقف عند الجمل التي عليها المؤمنون فأما أن يدعو إلى قول لايبين حقيقته وأقسامه ولايبين حجته التي تصحح مرامه ولا يكون القول موجودا في كتاب الله وسنة رسوله وكلام أئمة الإسلام فهذا غاية ما يكون من الجهل والضلال والظلم في الكلام

الوجه الثالث عشر: إن قولهم ينفي التحيز لفظ مجمل فإن التحيز في اللغة وهو أن يكون الشيء بحيث يحوزه ويحيط به موجود غيره كما قال تعالى: { ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله } فإن التحيز مأخوذ من حازه يحوزه فهذا المعنى هو أحد المعنيين اللذين ذكرناهما بقولنا: إن أراد أنه لاتحيط به المخلوقات ولا يكون في جوف الموجودات فهذا مذكور مصرح به في كلامي فأي فائدة في تحديده

وأما التحيز الذي يعنيه المتكلمون فأعم من هذا فإنهم يقولون العالم كله متحيز وإن لم يكن في شيء آخر موجود إذ كل موجود سوى الله لإغنه من العالم وقد يفرقون بين الحيز والمكان فيقولون الحيز تقدير المكان وكل قائم بنفسه مباين لغيره بالحهة متحيز عندهم وإن لم يكن في شيء موجود

ولهذا يقول بعضهم: التحيز من لوازم الجسم ويقول بعضهم: هو من لوازم القيام بالنفس كالتحيز والمباينة وعلى هذا التفسير فالحيز إما وجودي وإما عدمي فإن كان عدميا فالقول فيه كالقول في معنى الجهة العدمية وإن كان وجوديا فإما أن يراد به ما ليس خارجا أو ما هو خارجا عنه فالأول مثل حدود المتحيز وجوانبه فلا يكون الحيز شيئا خارجا على المتحيز علىهذا التفسير وأما أن يعني به شيء موجود منفصل عن المتحيز خارج عنه فهذا هو التفسير الأول وليس غير الله إلا العالم فمن قال إنه في حيز موجود منفصل عنه فقد قال إنه في العالم أو بعضه وهذا مما قد صرحنا بنفيه وإذا كان كذلك فلا بد من تفصيل المقال ليزول هذا الإبهام والإجمال

الوجه الرابع عشر: وأما قولهم: ولا يقول: إن كلام الله حرف وصوت قائم به بل هومعنى قائم بذاته فقد قلت في الجواب المختصر البديهي ليس في كلامي هذا أيضا ولا قلته قط بل قول القائل: إن القرآن حرف وصوت قائم به بدعة وقوله: إنه معنى قائم به بدعة لم يقل أحد من السلف لا هذا ولا هذا وأنا ليس في كلامي شيء من البدع بل في كلامي ما أجمع عليه السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق وذلك أني قد أجبت في مسألة القرآن والحرف والصوت وما وقع في ذلك من النزاع والاضطراب في جواب الفتيا الدمشقية وفصلت القول فيها وفي مسألة العرش وبينته

وكذلك في جواب الفتيا المصرية قد بينته وفصلته في هذا وفي هذا وأزلت ما وقع فيه أكثر الناس من الاختلاف والشقاق الذي خرجوا به عن السنة والجماعة إلى البدعة والافتراق وبسطت ذلك بسطا متوسطا في جواب الاستفتاء الذي ورد به قاضي جيلان لما وقع بينهم من الفتنة في كلام الآدميين وأظهروا من البدعة والغلو في الإثبات ونفي الخلق عن كثير من المخلوقات ما هو من أعظم الجهالات والضلالات

وقد كتبت جملا من الكلام في ذلك في جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية وفي فتاوى أخر ومواضع أخر قال مسألة القرآن وقع فيها بين السلف والخلف من الاضطراب والنزاع ما لم يقع نظيره في مسألة العلو والإرتفاع إذ لم يكن على عهد السلف من يبوح بإنكار ذلك ونفيه كما كان على عهدهم ممن أباح بإظهار القول بخلق القرآن ولا اجترأت الجهمية إذ ذاك على دعاء الناس إلى نفي علو الله على عرشه بل ولا أظهرت ذلك كما اجترأوا على دعاء الناس إلى القول بخلق القرآن وامتحانهم على ذلك وعقوبة من لم يجبهم بالحبس والضرب والقتل وقطع الرزق والعزل عن الولايات ومنع قبول الشهادة وترك افتدائهم من أسر العدو إلى غير ذلك من العقوبات التي إنما تصلح لمن خرج عن الإسلام وبدلوا بذلك الدين نحو تبديل كثير من المرتدين فأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم فجاهدوا في الله حق جهاده متبعين سبيل الصديق وإخوانه الذين جاهدوا المرتدين بعد موت رسول الله حتى وسم المسلمون بالإمامة وبأنه الصديق الثاني من كان أحق بهذا التحقيق عند فتور الواني فإن أولئك الجهمية جعلوا المؤمنين كفارا مرتدين وجعلوا ما هو من الكفر والتكذيب للرسول إيمانا وعلما ولبسوا على الأئمة والأمة الحق بالباطل وكانت فتنتهم في الدين أعظم ضررا من فتنة الخوارج المارقين

فإن أولئك وإن كفروا المؤمنين واستحلوا دماءهم وأموالهم ولم تكن فتنتهم الجحود لكلام رب العالمين وأسمائه وصفاته وما هو عليه في حقيقة ذاته بل كانت فيما دون ذلك من الخروج عن السنة المشروعة وإن كان أهل المقالات قد نقلوا أن قول الخوارج في التوحيد هو قول الجهمية المعتزلة

فهذا سر للجهمية لكن يشبه - والله أعلم - أن يكون ذلك قد قاله من بقايا الخوارج في من كان موجودا حين حدوث مقالة جهم في أوائل المائة الثانية فأما قبل ذلك فلم يكن حدث في الإسلام قول جهم في نفي الصفات والقول بخلق القرآن وإنكار أن يكون الله على العرش ونحو ذلك فلا يصح إضافة هذا القول إلى أحد من المسلمين قبل المائة الثانية لا من الخوارج ولا من غيرهم فإنه لم يكن في الإسلام إذ ذاك من يتكلم بشيء من هذه السلوب الجهمية ولا نقل أحد عن الخوارج المعروفين إذ ذاك ولا عن غيرهم شيئا من هذه المقالات الجهمية ومن أعظم أسباب بدع المتكلمين من الجهمية وغيرهم قصورهم في مناظرة الكفار والمشركين فإنهم يناظرونهم ويحاجونهم بغير الحق والعدل لينصروا الاسلم زعموا بذلك فيسقط عليهم أولئك لما فيهم من الجهل والظلم ويحاجونهم بممانعات ومعارضات فيحتاجون حينئذ إلى جحد طائفة من الحق الذي جاء به الرسول والظلم والعدوان لإخوانهم المؤمنين بما استظهر عليهم أولئك المشركون فصار قولهم مشتملا على إيمان وكفر وهدى وضلال ورشد وغي وجمع بين النقيضين وصاروا مخالفين للكفار والمؤمنين كالذي يقاتلون الكفار والمؤمنين ومثلهم في ذلك مثل من فرط في طاعة الله وطاعة رسوله من ملوك النواحي والأطراف حتى يسلط عليهم العدو تحقيقا لقوله: { إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا } يقاتلون العدو قتالا مشتملا على معصية الله من الغدر والمثلة والغلول والعدوان حتى احتاجوا في مقاتلة ذلك العدو إلى العدوان على إخوانهم المؤمنين والاستيلاء على نفوسهم وأموالهم وبلادهم وصاروا يقاتلون إخوانهم المؤمنين بنوع مما كانوا يقاتلون به المشركين وربما رأوا قتال المسلمين آكد وبهذا وصف النبي الخوارج حيث قال: يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان وهذا موجود في سيرة كثير من ملوك الأعاجم وغيرهم وكثير من أهل البدع وأهل الفجور فحال أهل الأيدي والقتال يشبه حال أهل السنة الجدال

وهكذا ذكر العلماء مبدأ حال جهم فقال الإمام أحمد فيما أخرجه في الرد على الزنادقة والجهمية

قال أحمد: وكذلك الجهم وشيعته دعوا الناس إلى المتشابه من القرآن والحديث فضلوا وأضلوا بكلامهم بشرا كثيرا فكان مما بلغنا من أمر الجهم عدو الله: أنه كان من أهل خراسان من أهل الترمذ وكان صاحب خصومات وكلام وكان أكثر كلامه في الله تبارك وتعالى فلقي ناسا من المشركين يقال لهم السمنة فعرفوا الجهم فقالوا له: نكلمك فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك فكان مما كلموا به الجهم أن قالوا له ألست تزعم أن لك إلها؟ قال الجهم:

نعم فقالوا له: فهل رأيت إلهك؟ قال لا: فقالوا له: هل سمعت كلامه؟ قال: لا قالوا: فشممت له رائحة؟ قال: لا قالوا: فوجدت له حسا؟ قال: لا قالوا: فوجدت له مجسا؟ قال: لا قالوا: فما يدريك أنه إله؟ قال: فتحير الجهم فلم يدر من يعبد أربعين يوما ثم إنه استدرك حجة من جنس حجة الزنادقة من النصارى وذلك أن زنادقة النصارى يزعمون أن الروح التي في عيسى هي من روح الله من ذات الله وإذا أراد الله أن يحدث أمرا دخل في بعض خلقه فتكلم على لسان بعض خلقه فيأمر بما شاء وينهي عن ماشاء وهو روح غائب عن الأبصار فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة فقال للسمني: ألست تزعم أن فيك روحا؟ فقال: نعم قال: فهل رأيت روحك؟ قال: لا قال: فسمعت كلامه قال: لا قال فوجدت له حسا؟ قال: لا قال: فكذلك الله لا يرى له وجه ولا يسمع له صوت ولا يشم له رائحة وهو غائب عن الأبصار ولا يكون في مكان دونه مكان قال: ووجد ثلاث آيات في القرآن من المتشابه قوله: { ليس كمثله شيء } { وهو الله في السموات وفي الأرض } { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } فبني أصل كلامه كله على هؤلاء الآيات وتأول القرآن على غيرتأويله وكذب بأحاديث رسول الله - وزعم أن من وصف من الله شيئا مما وصف الله به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسوله كان كافرا وكان من المشبهة وأضل بشرا كثيرا وتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصر ة ووضع دين الجهمية

وهكذ وصف العلماء حال جهم كما قال أبو عبد الله محمد بن سلام البيكندي شيخ البخاري في كتاب السنة والجماعة من تأليفه ما جاء في بدو الجهمية والسمنية وكيف كان شأنهم وكفرهم بآيات الله عن حفص عبد الرحمن البجلي قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن أيوب بن أبي تميمة قال: ما أعلم أحدا من أهل الصلاح أكذب على كتاب الله من السمنية قال: وهو عندنا كما قال لا أعلم أن أحدا أجهل ولا أحمق قولا منهم لا يتعلقون من كتاب الله بشيء ولا يحتجون إنما هو حب وبغض ومن أحب دخل الجنة ومن أبغض دخل النار

وصارت طائفة جهمية لم تكن على عهد رسول الله ولا على عهد الصحابة وإنما هو رأي محدث ويرون أن أول من تكلم جهم بن صفوان وكان جهم فيما بلغنا لا يعرف بفقه ولا ورع ولا صلاح أعطي لسانا منكرا فكان يجادل ويقول برأيه يجادل السمنية وهم شبه المجوس يعتقدون الأصنام فكلمهم فأخرجوه حتى ترك الصلاة أربعين يوما لا يعرف ربه وكلامهم يدعو إلى الزندقة وكلامهم وضعناه لغير واحد من أهل اللغة والبصر فمالوا آخر أمرهم إلى الزندقة والرجل إذا رسخ في كلامهم ترك الصلاة واتبع الشهوات وكان أبو الجوزاء صاحب جهم وكان أقوى في أمرهم من جهم فيما بلغنا وكان يسكن الغاريات وأخبرنا أناس من أهلها من صالحيهم أنه ترك الصلاة وشرب الخمر واتبع الشهوات وأفسد عالما من الناس فنعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى ما أعلم من تكلم في الإسلام قوم أخبث من كلامهم. القرآن كله نقض على كلامهم وبلغنا أن منهم من يقول أن ما يفسد علينا كلامنا القرآن ويكسره لا يرون أن في السماء ساكنا وذكر طرفا من كلامهم ثم قال: قال علي سمعت عبد الله يقول: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية وقال في شعر له:

ولا أقول بقول الجهم إن له قولا يضارع قول الشرك أحيانا

ثم قال حدثنا عبيد الله - يعني ابن واصل - حدثنا عبد الله بن محمد شيخ من أهل بغداد - حدثنا ابن صالح قال: لقيت جهما فقلت: نطق الله؟ قال: لا قلت: فهو ينطق؟ قال: لا قلت: فمن يقول يوم القيامة: { لمن الملك اليوم } ومن يرد عليه: { لله الواحد القهار }؟ قال: إنهم زادوا في القرآن ونقصوا منه


الفتاوى الكبرى لابن تيمية
كتاب السنة والبدعة: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الطهارة: | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | كتاب الصلاة: | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | كتاب الذكر والدعاء | 1 | 2 | 3 | 4 | كتاب الصيام: 1 | 2 | 3 | كتاب الجنائز: 1 | 2 | 3 | 4 | كتاب النكاح: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الطلاق: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | | كتاب النفقات | كتاب الحدود: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الجهاد: 1 | 2 | كتاب البيوع: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الشهادة والأقضية والأموال: 1 | 2 | كتاب الوقف: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | كتاب الوصايا | كتاب الفرائض | كتاب الفضائل: 1 | 2 | كتاب الملاهي | مسائل منثورة: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | كتاب الطهارة2 | كتاب الصلاة2: 1 | 2 | كتاب الجنائز2 | كتاب الزكاة2 | كتاب الصوم2 | كتاب الحج | كتاب البيع: 1 | 2 | كتاب الوصية | كتاب الفرائض | كتاب العتق | كتاب النكاح2: 1 | 2 | كتاب الخلع | كتاب الطلاق2 | كتاب الرجعة | كتاب الظهار | كتاب الجنايات | كتاب الأطعمة | كتاب الأيمان | باب القضاء | كتاب إقامة الدليل على إبطال التحليل | كتاب في الرد على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة والرافضة: 1 |2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16